حسن بن موسى القادري

372

شرح حكم الشيخ الأكبر

كما قال الشيخ قدس سره : ( من ترك التدبير دبر له القدير ) أي : ينسب إليه تعالى التدبير لا إلى العبد ، وإلا فتدبير العبد هو تدبير الحق تعالى ، لكن العبد إذا رأى التدبير من نفسه ينسب تدبيره إليه ، ويكون الوبال عليه بناء على زعمه ، وإذا رآه من مولاه فهو منسوب إليه كما هو الأمر عليه ، فينبغي للعبد ترك تدبيره بنفسه لنفسه ، ويريح نفسه منه لإقامة الحق تعالى به . وقال الفاضل الكامل ابن العطاء السكندري رضي اللّه عنه : ( أرح نفسك من التدبير ، فما قام به غيرك عنك لا تقوم به أنت لنفسك ) . وقد سبق في أول الكتاب أنه ، وإن كان في الحديث أن التدبير نصف العيش لكن ترك التدبير تمام العيش لوجود الراحة فيه دونه ، والسبب القوي لتدبير العبد بنفسه تكثر المال والمنال ، وهو مفسد للحال . 122 - من كثر ماله ، انفسد حاله . كما قال الشيخ قدس سره : ( من كثر ماله انفسد حاله ) ؛ لأن كثرة المال موجبة لتفرق البال المستلزم لانفساد الأحوال مع أن كثرته إنما تكون من الحرام كما ورد في الحديث : « الحلال يأتيك قليلا ، والحرام يأتيك كثيرا » ، ولهذا كان خوف الأولياء من الكثرة وانبساطهم من القلة ، فإذا رأوا في بيوتهم شيئا من الدنيا وسعة فيها قالوا : نعوذ باللّه بيتنا اليوم يشبه بيت الفراعنة ، وإذا رأوا القلة في بيوتهم ، وما رأوا فيها من المأكولات والملبوسات شيئا أصلا ، أو الأشياء قليلا قالوا : الحمد للّه اليوم بيتنا يشبه بيوت الأنبياء هذا بالنسبة للعوام والمبتدئ . وأمّا الكامل المنتهي فلا تفاوت عنده بين القلة والكثرة فيرى كلا منهما من تجليات الحق تعالى ، ولا يهرب الكامل من التجلي أبدا ، وقد كانت كثرة المال لبعض الرجال من الأنبياء والأولياء مع عدم انفساد أحوالهم ، بل كانت أحوالهم أصح الأحوال ، ودعاء الرسول لبعض بالقلة ، ولبعض بالكثرة باقتضاء حال المدعو له ، فإن صحة بعض الناس في القلة ، وفسادها في الكثرة ، وبعضهم بالعكس ، وهو صلى اللّه عليه وسلم كان طبيبا حاذقا ماهرا عارفا لجميع الأمزجة ، وما تقتضيه ، وبالدواء وكميته وكيفيته ووقته ، فالحكم المذكور ليس إلا باعتبار الغالب ، فيكون معناه الذي كثر ماله انفسد حاله غالبا لوجود الالتفات إلى المال